مشاهد مختلفة وقلوب مؤتلفة
قليل من الصبر:
في مطلع موسم زيت الزيتون الجديد، جلس أحمد وسامرٌ يتشاوران لشراء جالون من زيت الزيتون الطازج يتقاسمانه بينهما ليكفي الأسرتين لسنةٍ ... فكرة بسيطة لا تستحق أكثر من دقائقة لكنها سرعان ما تحولت إلى نقاش طويل.
قال سامر بثقة: الزيت الذي أشتريه كل سنة من أجود ما يكونة لا بد أن نشتري منه سيعجبك كثيرًا ويُعجبُ أهلك.
قطع أحمد الحديث معترضًا: أبدًاة الزيت الذي آتِي به كل سنة من الرجل الموثوق لا يضاهيه زيت؛ طرُق عصره للزيتون وتخزينه للزيت لا يعرفها إلا القليل.
تطايرت بينهما الحجج،كلٌّ يروي مزايا بائعه، وكلٌّ موقن أن الآخر مخطئ، وما بدأ باعتقاد بسيط تحول إلى اختلاف طويل ... ثم إلى تباعد في الرأي انتهى بأن يذهب كلٌّ منهما إلى السوق فيشتري ما يناسبه.
دخل أحمد السوق بخطوات واثقة، واتجه مباشرة إلى محل عم جلال، بائع الزيت الذي اعتاد أن يشتري منه، وما إن رآه الرجل حتى ابتسم وقال ممازحًا: مرحبًا يا أحمدة بهذه السرعة أخبرك سامر أن حصاد الموسم وصل؟
تجمّد أحمد لحظة ...!
السؤال وقع عليه كصفعة لطيفة، لكنَّها موجعة: سامرٌ يشتري من عم جلال!
والعم جلال هو نفسه الرجل الذي يدّعي كلٌّ منَّا أنه لا يعرفه!
في تلك اللحظة شعر أحمد بثقل يسقط داخل صدرهة كلُّ ذلك الجدل، كلُّ تلك السُّخونة التي ارتفعت بينهما، وكلّ تلك الدقائق المهدرةة كانت في أمر يتفقان عليه دون أن يعلما، أطرق رأسه وقال في نفسه بخجل: قليل من الصبرة قليل من الاستماع كان سيجعلنا نلتقي قبل أن نختلف.
وحدة الهدف وتعدد الزوايا
كثيرًا ما نقف جميعًا أمام هدف واحد، لكننا نراه من زوايا مختلفة:
- أنا أرى فيه جانبًا مضيئًا.
- غيري يراه ظلًا أو عيبًا.
- ثالث يراه وسيلة.
- ورابع يراه غاية.
ورغم أن الهدف واحد، إلا أن اختلاف الزوايا قد يولِّد خلافًا، وربما نزاعًا، ثم نكتشف بعد حين أننا جميعًا كنّا نطلب الشيء ذاته، لكننا لم نصبر حتى نفهم بعضنا بعضًا.
قيمة الخلاف بأدب
الخلاف سنة كونية، أخبرنا الله تعالى عنها: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)" (هود)
لكن الخلاف لا يعني الخصام، بل قد يكون الخلاف سببًا للإثراء الفكري والنمو العقلي، إذا ظلّ في دائرة الأدب والاحترام.
الأدب في الخلاف يعني:
- أن أستمع قبل أن أجيب.
- أن أبحث عن النية الطيبة قبل أن أتهم.
- أن أَفصل بين الفكرة وصاحبها، فأرفض الأولى دون أن أهين الثاني.
شواهد من التاريخ والواقع:
1. الصحابة الكرام في صلاة العصر ببني قريظة
حين قال النبي : "لا يُصَلِّينَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ"، اختلف الصحابة:
- فريق أخذ الحديث بحرفيته، فأجّل الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة بعد المغرب.
- فريق آخر فهم المقصد (الإسراع في الوصول إلى بني قريظة لا تأخير الصَّلاة)، فصلّى العصر في الطريق.
النتيجة: كلا الفريقين أصاب مقصد الشريعة، والنبي لم يعنّف أحدًا، لأن الهدف كان واحدًا: الطاعة والامتثال.
2. درس عظيم من صلح الحديبية.
في صلح الحديبية وقع النبي مع المشركين وثيقة تقضي بأن يَرْجعوا إلى المدينة بعدما وصلوا قريبًا من مكة ولا يحجوا هذا العام، وتقضي بأن يحجوا العام القادم إذا التزم الجميع شروط الوثيقة، لكن عمر بن الخطاب كان له رأيٌ آخر.
وثب عمر إلى رسول الله - - وقال : يا رسول الله ألست نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قال : ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال : بلى ، قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال : بلى . قال : علام نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ ونرجع ولم يحكم اللهُ بيننا وبينهم؟ فقال رسول الله : اإني عبد الله ورسوله ولست أعصيه ولن يضيعني وهو ناصريب قال : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال : ابلى ، أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قال: لا: قال : افإنك آتيه ومطوف بهب.
لم يكتف عمر بذلك الردِّ وهذا الوعد، ولم يستطع مقاومة تلك الفَوْرةَ وسخونة الغيرة؛ فمن غيظه طاف على عدد من الصحابة يكرر عليهم ما قاله لرسول الله حتى خشي عليه بعض الصحابة من هلكة الاعتراض والانزلاق نحو هذا المنعطف الخطير
حتى قال له أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - : تعوذ يابن الخطَّاب بالله من الشيطان مما تقول واتهم رأيك، والزم رأي رسول الله .
كان لقلَّة الصبر وبروز المشهد لعمر من زاوية مختلفة أثرًا عظيمًا كاد يَطيح بتاريخ هذا العملاق ويضيِّع إيمانه، لولا أنَّ الله تداركه برحمته، فقال عمر :
فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان حياء مما أصابني.
وعملت لذلك أعمالًا صالحة لتكفر عني ما مضى؛ فما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأُعتق بما صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به.
بعد سنوات فهم الجميع الحكمة، وأدركوا أن النبي نظر من زاوية أبعد ورؤيته كانت للمجسَّم كاملًا بغض النظر عن التفاصيل المدونة على أضلاعه، فكان النَّدم حليف من تسرع وفارق الصبر.
دروس للكبير والصغير:
استمع قبل أن تحكم: فربما الآخر يرى جانبًا لم تنتبه له.
إذا لم تستطع أنت الصبر حتَّى تتضح الأمور فأعط الآخرين فرصة لتوضيح أهدافهم.
أدب الحوار لا يقل عن قوة الفكرة: فالكلمة الطيبة تجعل حتى المخالف يحترمك.
الهدف قد يكون واحدًا، لكن الطرق تختلف؛ فاصبر حتى تنكشف الصورة كاملة.
الندم يأتي متأخرًا بعد رد فعل متسرّع، فاجعل الصبر رفيقك.
وأخيرًا ... وحدة القلوب
المشاهد قد تختلف، والزوايا قد تتباين، لكن ما أجمل أن نحافظ على قلوب مؤتلفة، تجتمع على الهدف الواحد حتى لو كان ببعيون متعددة، وتلتقي عند غايته الكبرى: الحق والخير والعدل، فلتكن خلافاتنا مظاهرَ تنوعٍ، لا أسبابًا للعداوة.




