شمَّـــاعةُ الـ (سين)
شماعة القرارات
في حياتنا كثيرًا ما نعلّق قراراتنا على حرفٍ صغيرةحرف السين، سأبدأ غدًا ة سأحاول عندما ة سأنجز ولكنة
حتى تحوّل هذا الحرف إلى شماعة كبيرة نعلّق عليها أحلامنا، ونُريح ضمائرنا، ونؤجل حركة اليوم إلى غدٍ لا يأتي أو إلى مكان لا نكون فيه.
المشكلة ليست في حرف السينة بل في أنَّنـا جعلناها حاجزًا مريحًا بيننا وبين الفعل، وجعلناها عذرًا أنيقًا للفشل، حتى صارت حياتنا ممتلئة بوعودٍ تبدأ بالسينة وتنتهي بلا شيء.
طموحات عبقرية وإنجازات صفرية
وبسبب غياب الإنجاز، يصبح الإنجاز الوحيد هو مزيدٌ من الطموحةطموحات تتكاثر كأنها تنبت من الهواء، وتزداد الأحلام ذكاءً، وتتفتح الأفكار كأنها صالحة لقيادة مجتمع كاملة لكن المفارقة الـمُرة أنها لم تنهض حتى لقيادة صاحبها نحو إنجاز واحد.
وحين تطيل النظر ستصدمك الحقيقة:
تلك الخطوط المرتبكة التي رسمتها يومًا بلا مبالاة على ورقة بيضاء، وكانت زفكرة عابرةسة أصبحت اليوم مشروعًا ضخمًا في الهندة أو في الصينة أو في مكان آخر من العالم.مضحك؟ ربما، لكنها ضحكة تمتزج بمرارةة لأنها تكشف الحقيقة المؤلمة ...لم يكن ينقص الفكرة عبقريةة بل كان ينقص صاحبها خطوة واحدة فقط خارج باب التأجيل، فالوعي الحقيقي ليس في كثرة الطموحات ولا في جمال الخطط، بل في شجاعة البدء وحكمة المُضيّ وصدق المواجهة مع النفس، وكل ما تُبقِيه معلّقًا سيظل معلّقًا، وما أن تبدأ أول خطوة، ستكتشف أن معظم مخاوفك كانت أوهامًا، وأنّ الفعل هو ما يحرّك الحياة، لا النيّة وحدها.
خزانة الطموحات المعلَّقة
بداخل كل إنسان دولاب خفي يمتلئ كل عام بطموحات جديدة، وأفكار براقة، ومهام يأمل أن يأتي يوم ينجزها، المشكلة أن هذا الدولاب لا يُفتح ليُفرَّغة بل ليُضاف إليه طموحٌ جديد!
وهكذا تتراكم "السينات": سأبدأة سأحاولة سأدرسة سأصلّية سأهتمة سأطوّر نفسية حتى تصبح الأفعال معروضة على علّاقات أنيقة لكنها بلا أثر في الواقع.
هذا التراكم الهادئ يصنع وهم الإنجاز؛ فنحن نتخيّل أن مجرّد التفكير في الأمر خطوة كافية، بينما الحقيقة أن التفكير بلا فعل مجرد شماعة جديدة.
خدعة المثالية
كم من إنسان يضع لنفسه طموحات تضيق بها السماء، لكنه يسجنها داخل شرط زمني أو مكاني لا يأتي أبدًا!
- الو كنت في بلد آخر لأصبحت ناجحًا.ب
- الو امتلكت مكتبًا فخمًا لألفت كتابي.ب
- الو جاءني الإلهام، لأبدعت.ب
وهكذا يظل واقفًا على الرصيف، يشاهد قطارات الإنجاز تمرّ أمامه، ولا يصعد فيها لأنه ينتظر امحطة مثاليةب يكون هو أول الدَّاخلين إليها، يا صاحبي ... النيّة الصادقة شيء جميل، لكن حين تُحبس في "انتظار الظروف المناسبة"، تتحول إلى عبء وليس دافعًا، والاعتقاد بأن الغد أفضل وقتٍ للبدء هو أكبر خدعة يقع فيها الواعون حين يغيب الوعي عن تفاصيل قراراتهم.
كنز لم يخرج للنور
أعرف أستاذًا حَافَظَ على مؤلفاته العلمية سنوات؛ يخاف أن تُسرق، ويأمل أن تشتريها دار نشر بمبلغ كبير يغيّر حياته، كان يُثَمِّنُ ادَّخَارها كأنها عقار تزيد قيمته بمرور الزَّمن! مرت عشر سنواتة لا نُشرت تلك المؤلفات، ولا اشترته دار، ولا وصل علمُه لأحد.
والأدهى أن السوق تغيّر، والعصر تجاوز موضوعه، ولم يعد أحدٌ مهتمًّا به أصلًا، بعد أن كان عنوان رسالته حديث الباحثين.
بقي العلم حبيس الأدراج، لأن صاحبه عاش بعقلية زسأنشر عندما يُقدَّر العملة سأخاطر لاحقًاةس.
وهكذا تصبح السين - على بساطتها - أكثر كلمة خرّبت مشاريع عظيمة وبقيت طموحاتها مجمّدة، مع أنها كانت قادرة أن تصنع فرقًا لو خرجت مبكرًا.
الوهم طريق التسويف
يتوهم الكثير أمورًا لا وجود لها إلا في مخيلاتهم تقودهم بكل سهولة للوقوع في هوَّة السين:
- وهم الخوف من الفشل.
- وهم الخوف من النقد.
- وهم الخوف من سرقة الفكرة.
- وهم الظروف المناسبة.
هذه كلها أوهام تدفع الناس لتعليق مشاريعهم على شماعة سين، والخطورة هي أنَّ السين هنا ليست وعدًا بالعمل، بل ذريعة نفسية تمنح صاحبها شعورًا بأن العمل مؤجّل وليس ميتًاة لكن التأجيل المتكرر هو شكل آخر من الموت البطيء.
شواهد من الحياة
مالكوم إكس المفكر والمناضل المسلم الكبير، لم يكن في جامعة ولا في مكتبة ضخمة، لكنه حوّل جدران السِّجن إلى دفاتر، فكانت ست سنوات من الحبس كافية أن يتحوَّل فيها من مجرم قائد عصابات إلى مُصلح جدد للأمة المسلمة في أمريكا وعيها وتفكيرها، في زمنٍ قياسيٍّ فتح أبواب الوعي لنفسه ولأمَّته التي صانت له ذلك المعروف، وبنى له التَّاريخ أعمارًا فوق عمره فأصبح يذكره كلما ذُكرت العزيمة والإنجاز والوعي.
كيف تُفرغ الشَّماعة.
1. اكتب حلمك الكبير، ثم اجعله بذرة صغيرة تُزرع اليوم.
2. مارس عادة اخمس دقائقب؛ ابدأ بوقت قصير، فالنهر يبدأ بقطرة.
3. لا تنتظر المثالية، فالمثالية وهمٌ يُقعد ولا يُنهض.
وأخيرًا أزِل السينة يبدأ الفعل
إنَّ الطموحات العظيمة بلا إنجاز تشبه قصرًا مشيّدًا في السحاب: يبهرك شكله، لكنه لا يُؤوي أحدًا، فلا تجعل نفسك أسيرًا للزمان أو المكان، وابدأ بما تملك؛ فقد يتحول جُهدك المتواضع إلى إنجاز تتناقله الأجيال.
- الإنجاز يشبه النبتة البرية: لا تنتظر تربة مثالية ولا موسمًا مناسبًا، بل تشقّ الصخور لتخرج للحياة.
- الطموحات التي تُؤجَّل كثيرًا تتحول إلى غبار على رفّ الزمن.
- المكان الأفضل للبدء هو هنا، والوقت الأصدق هو الآن.




