img
img
img
img

الأخبار والمقالات

img
Blog Image

شمَّـــاعةُ الـ (سين)

شماعة‭ ‬القرارات

في‭ ‬حياتنا‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬نعلّق‭ ‬قراراتنا‭ ‬على‭ ‬حرفٍ‭ ‬صغيرةحرف‭ ‬السين،‭ ‬سأبدأ‭ ‬غدًا‭ ‬ة‭ ‬سأحاول‭ ‬عندما‭ ‬ة‭ ‬سأنجز‭ ‬ولكنة

حتى‭ ‬تحوّل‭ ‬هذا‭ ‬الحرف‭ ‬إلى‭ ‬شماعة‭ ‬كبيرة‭ ‬نعلّق‭ ‬عليها‭ ‬أحلامنا،‭ ‬ونُريح‭ ‬ضمائرنا،‭ ‬ونؤجل‭ ‬حركة‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬غدٍ‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬لا‭ ‬نكون‭ ‬فيه‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حرف‭ ‬السينة‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أنَّنـا‭ ‬جعلناها‭ ‬حاجزًا‭ ‬مريحًا‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬الفعل،‭ ‬وجعلناها‭ ‬عذرًا‭ ‬أنيقًا‭ ‬للفشل،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬حياتنا‭ ‬ممتلئة‭ ‬بوعودٍ‭ ‬تبدأ‭ ‬بالسينة‭ ‬وتنتهي‭ ‬بلا‭ ‬شيء‭.‬

طموحات‭ ‬عبقرية‭ ‬وإنجازات‭ ‬صفرية

وبسبب‭ ‬غياب‭ ‬الإنجاز،‭ ‬يصبح‭ ‬الإنجاز‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬مزيدٌ‭ ‬من‭ ‬الطموحةطموحات‭ ‬تتكاثر‭ ‬كأنها‭ ‬تنبت‭ ‬من‭ ‬الهواء،‭ ‬وتزداد‭ ‬الأحلام‭ ‬ذكاءً،‭ ‬وتتفتح‭ ‬الأفكار‭ ‬كأنها‭ ‬صالحة‭ ‬لقيادة‭ ‬مجتمع‭ ‬كاملة‭ ‬لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬الـمُرة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تنهض‭ ‬حتى‭ ‬لقيادة‭ ‬صاحبها‭ ‬نحو‭ ‬إنجاز‭ ‬واحد‭.‬

وحين‭ ‬تطيل‭ ‬النظر‭ ‬ستصدمك‭ ‬الحقيقة‭:‬

تلك‭ ‬الخطوط‭ ‬المرتبكة‭ ‬التي‭ ‬رسمتها‭ ‬يومًا‭ ‬بلا‭ ‬مبالاة‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬بيضاء،‭ ‬وكانت‭ ‬زفكرة‭ ‬عابرةسة‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬مشروعًا‭ ‬ضخمًا‭ ‬في‭ ‬الهندة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الصينة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬العالم‭.‬مضحك؟‭ ‬ربما،‭ ‬لكنها‭ ‬ضحكة‭ ‬تمتزج‭ ‬بمرارةة‭ ‬لأنها‭ ‬تكشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬المؤلمة‭ ...‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ينقص‭ ‬الفكرة‭ ‬عبقريةة‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬ينقص‭ ‬صاحبها‭ ‬خطوة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬خارج‭ ‬باب‭ ‬التأجيل،‭ ‬فالوعي‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬الطموحات‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬جمال‭ ‬الخطط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬شجاعة‭ ‬البدء‭ ‬وحكمة‭ ‬المُضيّ‭ ‬وصدق‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬النفس،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬تُبقِيه‭ ‬معلّقًا‭ ‬سيظل‭ ‬معلّقًا،‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬أول‭ ‬خطوة،‭ ‬ستكتشف‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬مخاوفك‭ ‬كانت‭ ‬أوهامًا،‭ ‬وأنّ‭ ‬الفعل‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحرّك‭ ‬الحياة،‭ ‬لا‭ ‬النيّة‭ ‬وحدها‭.‬

خزانة‭  ‬الطموحات‭ ‬المعلَّقة

بداخل‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬دولاب‭ ‬خفي‭ ‬يمتلئ‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬بطموحات‭ ‬جديدة،‭ ‬وأفكار‭ ‬براقة،‭ ‬ومهام‭ ‬يأمل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬ينجزها،‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدولاب‭ ‬لا‭ ‬يُفتح‭ ‬ليُفرَّغة‭ ‬بل‭ ‬ليُضاف‭ ‬إليه‭ ‬طموحٌ‭ ‬جديد‭!‬

وهكذا‭ ‬تتراكم‭ "‬السينات‭": ‬سأبدأة‭ ‬سأحاولة‭ ‬سأدرسة‭ ‬سأصلّية‭ ‬سأهتمة‭ ‬سأطوّر‭ ‬نفسية‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬الأفعال‭ ‬معروضة‭ ‬على‭ ‬علّاقات‭ ‬أنيقة‭ ‬لكنها‭ ‬بلا‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬الواقع‭.‬

هذا‭ ‬التراكم‭ ‬الهادئ‭ ‬يصنع‭ ‬وهم‭ ‬الإنجاز؛‭ ‬فنحن‭ ‬نتخيّل‭ ‬أن‭ ‬مجرّد‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬خطوة‭ ‬كافية،‭ ‬بينما‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬التفكير‭ ‬بلا‭ ‬فعل‭ ‬مجرد‭ ‬شماعة‭ ‬جديدة‭.‬

خدعة‭ ‬المثالية‭ ‬

كم‭ ‬من‭ ‬إنسان‭ ‬يضع‭ ‬لنفسه‭ ‬طموحات‭ ‬تضيق‭ ‬بها‭ ‬السماء،‭ ‬لكنه‭ ‬يسجنها‭ ‬داخل‭ ‬شرط‭ ‬زمني‭ ‬أو‭ ‬مكاني‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬أبدًا‭!‬

  • ‬الو‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬آخر‭ ‬لأصبحت‭ ‬ناجحًا‭.‬ب
  • ‬الو‭ ‬امتلكت‭ ‬مكتبًا‭ ‬فخمًا‭ ‬لألفت‭ ‬كتابي‭.‬ب
  • ‬الو‭ ‬جاءني‭ ‬الإلهام،‭ ‬لأبدعت‭.‬ب

وهكذا‭ ‬يظل‭ ‬واقفًا‭ ‬على‭ ‬الرصيف،‭ ‬يشاهد‭ ‬قطارات‭ ‬الإنجاز‭ ‬تمرّ‭ ‬أمامه،‭ ‬ولا‭ ‬يصعد‭ ‬فيها‭ ‬لأنه‭ ‬ينتظر‭ ‬امحطة‭ ‬مثاليةب‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬الدَّاخلين‭ ‬إليها،‭ ‬يا‭ ‬صاحبي‭ ... ‬النيّة‭ ‬الصادقة‭ ‬شيء‭ ‬جميل،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تُحبس‭ ‬في‭ "‬انتظار‭ ‬الظروف‭ ‬المناسبة‭"‬،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬وليس‭ ‬دافعًا،‭ ‬والاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الغد‭ ‬أفضل‭ ‬وقتٍ‭ ‬للبدء‭ ‬هو‭ ‬أكبر‭ ‬خدعة‭ ‬يقع‭ ‬فيها‭ ‬الواعون‭ ‬حين‭ ‬يغيب‭ ‬الوعي‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬قراراتهم‭.‬

كنز‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬للنور

أعرف‭ ‬أستاذًا‭ ‬حَافَظَ‭ ‬على‭ ‬مؤلفاته‭ ‬العلمية‭ ‬سنوات؛‭ ‬يخاف‭ ‬أن‭ ‬تُسرق،‭ ‬ويأمل‭ ‬أن‭ ‬تشتريها‭ ‬دار‭ ‬نشر‭ ‬بمبلغ‭ ‬كبير‭ ‬يغيّر‭ ‬حياته،‭ ‬كان‭ ‬يُثَمِّنُ‭ ‬ادَّخَارها‭ ‬كأنها‭ ‬عقار‭ ‬تزيد‭ ‬قيمته‭ ‬بمرور‭ ‬الزَّمن‭! ‬مرت‭ ‬عشر‭ ‬سنواتة‭  ‬لا‭ ‬نُشرت‭ ‬تلك‭ ‬المؤلفات،‭ ‬ولا‭ ‬اشترته‭ ‬دار،‭ ‬ولا‭ ‬وصل‭ ‬علمُه‭ ‬لأحد‭.‬

والأدهى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬تغيّر،‭ ‬والعصر‭ ‬تجاوز‭ ‬موضوعه،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬أحدٌ‭ ‬مهتمًّا‭ ‬به‭ ‬أصلًا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬عنوان‭ ‬رسالته‭ ‬حديث‭ ‬الباحثين‭.‬

بقي‭ ‬العلم‭ ‬حبيس‭ ‬الأدراج،‭ ‬لأن‭ ‬صاحبه‭ ‬عاش‭ ‬بعقلية‭ ‬زسأنشر‭ ‬عندما‭ ‬يُقدَّر‭ ‬العملة‭ ‬سأخاطر‭ ‬لاحقًاةس‭.‬

وهكذا‭ ‬تصبح‭ ‬السين‭ - ‬على‭ ‬بساطتها‭ - ‬أكثر‭ ‬كلمة‭ ‬خرّبت‭ ‬مشاريع‭ ‬عظيمة‭ ‬وبقيت‭ ‬طموحاتها‭ ‬مجمّدة،‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬قادرة‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬فرقًا‭ ‬لو‭ ‬خرجت‭ ‬مبكرًا‭.‬

الوهم‭ ‬طريق‭ ‬التسويف

يتوهم‭ ‬الكثير‭ ‬أمورًا‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مخيلاتهم‭ ‬تقودهم‭ ‬بكل‭ ‬سهولة‭ ‬للوقوع‭ ‬في‭ ‬هوَّة‭ ‬السين‭:‬

  • وهم‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الفشل‭.‬
  • ‭‬وهم‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬النقد‭.‬
  • ‭ ‬وهم‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬سرقة‭ ‬الفكرة‭.‬
  • ‬وهم‭ ‬الظروف‭ ‬المناسبة‭.‬

هذه‭ ‬كلها‭ ‬أوهام‭ ‬تدفع‭ ‬الناس‭ ‬لتعليق‭ ‬مشاريعهم‭ ‬على‭ ‬شماعة‭ ‬سين،‭ ‬والخطورة‭ ‬هي‭ ‬أنَّ‭ ‬السين‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬وعدًا‭ ‬بالعمل،‭ ‬بل‭ ‬ذريعة‭ ‬نفسية‭ ‬تمنح‭ ‬صاحبها‭ ‬شعورًا‭ ‬بأن‭ ‬العمل‭ ‬مؤجّل‭ ‬وليس‭ ‬ميتًاة‭ ‬لكن‭ ‬التأجيل‭ ‬المتكرر‭ ‬هو‭ ‬شكل‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬البطيء‭.‬

شواهد‭ ‬من‭ ‬الحياة

مالكوم‭ ‬إكس‭ ‬المفكر‭ ‬والمناضل‭ ‬المسلم‭ ‬الكبير،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬ضخمة،‭ ‬لكنه‭ ‬حوّل‭ ‬جدران‭ ‬السِّجن‭ ‬إلى‭ ‬دفاتر،‭ ‬فكانت‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الحبس‭ ‬كافية‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬مجرم‭ ‬قائد‭ ‬عصابات‭ ‬إلى‭ ‬مُصلح‭ ‬جدد‭ ‬للأمة‭ ‬المسلمة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬وعيها‭ ‬وتفكيرها،‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬قياسيٍّ‭ ‬فتح‭ ‬أبواب‭ ‬الوعي‭ ‬لنفسه‭ ‬ولأمَّته‭ ‬التي‭ ‬صانت‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬المعروف،‭ ‬وبنى‭ ‬له‭ ‬التَّاريخ‭ ‬أعمارًا‭ ‬فوق‭ ‬عمره‭ ‬فأصبح‭ ‬يذكره‭ ‬كلما‭ ‬ذُكرت‭ ‬العزيمة‭ ‬والإنجاز‭ ‬والوعي‭.‬

كيف‭ ‬تُفرغ‭ ‬الشَّماعة‭.‬

1.‬ اكتب‭ ‬حلمك‭ ‬الكبير،‭ ‬ثم‭ ‬اجعله‭ ‬بذرة‭ ‬صغيرة‭ ‬تُزرع‭ ‬اليوم‭.‬

2.‬ مارس‭ ‬عادة‭ ‬اخمس‭ ‬دقائقب؛‭ ‬ابدأ‭ ‬بوقت‭ ‬قصير،‭ ‬فالنهر‭ ‬يبدأ‭ ‬بقطرة‭.‬

3.‬ لا‭ ‬تنتظر‭ ‬المثالية،‭ ‬فالمثالية‭ ‬وهمٌ‭ ‬يُقعد‭ ‬ولا‭ ‬يُنهض‭.‬

وأخيرًا‭ ‬أزِل‭ ‬السينة‭ ‬يبدأ‭ ‬الفعل‭ ‬

إنَّ‭ ‬الطموحات‭ ‬العظيمة‭ ‬بلا‭ ‬إنجاز‭ ‬تشبه‭ ‬قصرًا‭ ‬مشيّدًا‭ ‬في‭ ‬السحاب‭: ‬يبهرك‭ ‬شكله،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يُؤوي‭ ‬أحدًا،‭ ‬فلا‭ ‬تجعل‭ ‬نفسك‭ ‬أسيرًا‭ ‬للزمان‭ ‬أو‭ ‬المكان،‭ ‬وابدأ‭ ‬بما‭ ‬تملك؛‭ ‬فقد‭ ‬يتحول‭ ‬جُهدك‭ ‬المتواضع‭ ‬إلى‭ ‬إنجاز‭ ‬تتناقله‭ ‬الأجيال‭.‬

  • ‬الإنجاز‭ ‬يشبه‭ ‬النبتة‭ ‬البرية‭: ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬تربة‭ ‬مثالية‭ ‬ولا‭ ‬موسمًا‭ ‬مناسبًا،‭ ‬بل‭ ‬تشقّ‭ ‬الصخور‭ ‬لتخرج‭ ‬للحياة‭.‬
  • ‬الطموحات‭ ‬التي‭ ‬تُؤجَّل‭ ‬كثيرًا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬غبار‭ ‬على‭ ‬رفّ‭ ‬الزمن‭.‬
  • ‬المكان‭ ‬الأفضل‭ ‬للبدء‭ ‬هو‭ ‬هنا،‭ ‬والوقت‭ ‬الأصدق‭ ‬هو‭ ‬الآن‭.‬
img